الشيخ محمد النهاوندي

57

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

حيث قال لهم صالح : تصبح غدا وجوهكم مصفرّة ، وبعد غد محمّرة ، وفي اليوم الثالث مسوّدة ، ثمّ يصبّحكم العذاب . قيل : لمّا رأوا وجوههم كما قال صالح ، عمدوا إلى قتله ، فنجّاه اللّه إلى ارض فلسطين ، ولمّا كان اليوم الرابع تحنّطوا وتكفّنوا « 1 » فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ والنار النازلة من السماء وَهُمْ يَنْظُرُونَ إليها حين نزولها . وقيل : انّ المراد بالصاعقة صيحة جبرئيل مجازا ، ويحتمل أنّه كانت الصاعقة مع الصيحة ، فانّ الصيحة لا ينظر إليها ، بل تسمع بالاذن « 2 » . وقيل : هو من الانتظار ، والمعنى : هم ينتظرون ما أوعدوا به من العذاب ، حيث شاهدوا علامات نزوله « 3 » . وقيل : إنّ معنى ينظرون يتحيّرون « 4 » ، فاهلكوا جميعا فَمَا اسْتَطاعُوا شيئا قليلا مِنْ قِيامٍ وما قدروا عليه ، فضلا عن الهرب ، أو المراد ما قدروا على قليل من المقاومة والثّبات له وَما كانُوا حينئذ مُنْتَصِرِينَ بغيرهم في دفع العذاب ، أو ما كانوا مدافعين عن أنفسهم ، أو ممّن له شائبة الدفاع . وَ أهلكنا قَوْمَ نُوحٍ بالغرق ، أو أذكرهم مِنْ قَبْلُ وفي عصر سابق على أعصار هؤلاء المهلكين ، ثمّ ذكر سبحانه سبب إهلاكهم بقوله : إِنَّهُمْ كانُوا حال حياتهم قَوْماً فاسِقِينَ وخارجين عن طاعة اللّه ورسوله ، وفي ذكر القضايا الخمسة تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وآله ، كيلا لا يشقّ عليه كفر وعنادهم ، فانّ البلية إذا عمّت طابت . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 47 إلى 51 ] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ ( 48 ) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) ثمّ إنّه تعالى بعد إثبات الحشر وتهديد منكريه ، شرع في إثبات التوحيد بالموجودات بقوله : وَالسَّماءَ المرفوعة التي ترونها لهذا العام والدار الدنيا سقفا محفوظا ، لا شكّ في أنّه ما بنتها الكواكب التي فيها ، ولا الأصنام التي تنحتونها ، بل نحن بَنَيْناها ورفعناها بِأَيْدٍ وقوة وقدرة لنا

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 8 : 142 ، تفسير روح البيان 9 : 169 . ( 2 - 3 - 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 169 .